الشيخ محمد رشيد رضا
192
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فهو باطل أراد به واضعوه أن يذكر المسلمون في تفسير القرآن وغيره من كتبهم ما يصد اليهود وغيرهم عن الاسلام ، بأن دعوته مبنية على الكذب والبهتان ، ولم يدر أولئك الذين كانوا يكتبون كل ما يسمعون شيئا من هذا الكيد والمكر اليهودي ، ونحمد اللّه انه لم يرج منه على جهابذة نقد الحديث الا القليل وأما قوله تعالى فَخُذْها بِقُوَّةٍ فهو مقول قول مقدر لأنه امر لموسى والخطاب قبله للنبي الخاتم عليهما الصلاة والسّلام - والمعنى كتبنا له في الألواح ما ذكر وقلنا له : خذها بقوة - أو وقلنا له هذه رسالتنا أو وصايانا وأصول شريعتنا وكلياتها فخذها بقوة أي حال كونك ملتبسا يجد وعزيمة وحزم ، أو أخذا بقوة وعزم ، وذلك أن المراد بها تكوين شعب جديد بتربية جديدة شديدة مخالفة كل المخالفة لما نشأ عليه من الذل والعبودية لفرعون وقومه والانس بما كانوا عليه من الشرك والوثنية ومفاسدها ، فإذا لم يكن المتولي تربية هؤلاء القوم والمرشد لهم صاحب عزيمة قوية وبأس شديد وعزم ثابت فإنه يعجز عن سياستهم وتربيتهم ، ويفشل في تنفيذ أمر اللّه فيهم وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها قيل إن ( أحسن ) هنا بمعنى ذي الحسن التام الكامل وليس فيه معنى تفضيل شيء على آخر ، وهو ما يعبرون عنه بقولهم : اسم التفضيل على غير بابه - أي واءمر قومك بالاستمساك والاعتصام بهذه المواعظ والأحكام المفصلة في الألواح التي هي كاملة الحسن . وقيل إنه على الأصل فيه من تفضيل بعض المضاف اليه على بعض ومنه الحقيقي والاعتباري والإضافي ، فأصول العقائد من الايمان باللّه تعالى وتوحيده وتنزيهه أفضل وأشرف من الاحكام العملية ، ولكن لا يصح أن يراد هنا ، قيل الا إذا أريد بالاخذ الشروع والابتداء - والأوامر أفضل من النواهي ويصح أن تراد في مثل الامر بعبادة اللّه وحده والنهي عن اتخاذ الصور والتماثيل وكلاهما من الوصايا التي كتبت في الألواح وذلك أن الاخلاص للّه تعالى في العبادة أمر وجودي يتحلى به العقل وتتزكى به النفس ، وترك اتخاذ الصور والتماثيل أمر سلبى محض إذا لم يكن أثرا للاخلاص في العبادة وسد للذريعة فلا قيمة له فإنه لم ينه عنه إلا لأنه من ذرائع الشرك ، وإلا فقد يتركه المرء لعدم الداعية وان كان مشركا - والفرض أفضل من النفل ، ولكن ليس في الوصايا العشر نوافل ، ويقال مثله في قولهم